ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

99

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

وقال بعضهم حسن الخلق أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق وقال بعضهم أن لا يكون لك همه إلا الله . ( بيان السبب الذي ينال به حسن الخلق على الجملة ) حسن الخلق يرجع إلى اعتدال صحة العقل بكمال الحكمة فإن الغضب والشهوة مطيعة للعقل وهذا يحصل بصحة العقل والميل إلى الأفعال الجميلة فإن العاقل الراغب قادر على أن يحسن أخلاقه ويزين أفعاله ويؤدب نفسه بغير تعلم من عالم كعيسى ابن مريم عليه السّلام ويحيى بن زكريا وسائر الأنبياء والأئمة عليهم السّلام ومن أراد مثل ذلك قدر عليه وهو متمكن وربما حصلت هذه الحالات بتعليم فيكتسب هذه الأخلاق بمجاهدة النفس والرياضة فمن أراد الجود فيعاطي نفسه أن يتكلف فعل الجواد وهو بذل المال ولا يزال يكلف ذلك نفسه حتى يصير لها طبعا ويتيسر ذلك عليه فيصير جوادا وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع فطريقه أن يواظب على أفعاله المتواضعين مدة مديدة وهو مجاهد لنفسه ويتكلف إلى أن يصير ذلك له خلقا وطبعا فيتيسر ذلك عليه وغايتها أن يصير الفعل الصادر منه لذيذا فالسخي هو الذي يستلذ ببذل المال دون الذي يبذله عن كراهة والمتواضع هو الذي يستلذ التواضع ولن يترسخ أخلاق الدين ما لم يتعود جميع العادات الحسنة ويترك جميع العادات السيئة ويريد أن يواظب على الأفعال الحميدة مواظبة من يشتاق إليها ويتنعم بها ويكره الأفعال القبيحة ويتألم بها كما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وجعلت قرة عيني في الصلاة ومهما كانت العبادات وترك المحضورات مع كراهة واستثقال فهو لنقصان ولا ينال كمال السعادة به غير أن في المواظبة عليه بالإكراه خير كثير ولكن بين الطوع والإكراه فضل كبير وكذلك قوله تعالى وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم اعبدوا الله في الرضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير ثم لا يكفي في نيل السعادة الموعودة على حسن الخلق استلذاذ الطاعة واستكراه